Liste des Articles | Post's List | قائمة المقالات

كَيْفَ يُحَافِظُ المُسْلِمُ عَلَى إيمَانِهِ: إجْتِناب الوُقوع في الرّدّةِ والكُفْرِ

بسم الله الرحمن الرحيم

تحميل الدرس الصوتي عن أحكام الردة والكفر

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد الأمين وبعد،

الإمام النووي يشرح الرّدة والكفر في كتابه روضة الطالبين

الدليل من القرآن على أن هناك أشياء تُخرِج من الإسلام

قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ ﴾ (التّوبة ءاية 74).

قال الله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ [التوبة ءاية 65 و66].

قَالَ رسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: « إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ لا يَرىَ بِهَا بَأْساً يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفاً » ـ رواهُ الترمذيُّ. أيْ مَسَافَةَ سَبْعِينَ عَامًا في النُّزُولِ وَذَلِكَ مُنْتَهَى قَعْرِ جَهَنَّمَ وَهُوَ خَاصٌّ بالكُفَّارِ، وَهَذَا الحَدِيثُ دَلِيلٌ على أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في الوُقُوعِ في الكُفْرِ مَعْرِفَةُ الحُكْمِ ولا انْشِرَاحُ الصَّدْرِ ولا اعْتِقَادُ مَعْنَى اللَّفْظِ ولا نية الكفر.

فمن نسب لله الابن يكفر ولو لم يقصد المعنى وكذلك من يصف الله بالمكان أو التغير أو الجهة أو الجسم أو غيرها من صفات الخلق. وكذلك من يقول عن نفسه كافر ولو مازحا وكذلك يكفر من يُعين على الكفر أو يرضى به أو ينكر شرع الله أو يحتقره أو أي أحد من الأنبياء أو ينسب له الكفر أو الملائكة. ولا يكون الرجوع إلى الإسلامِ إلا بترك الكفر وبالنُّطقِ بالشهادتين أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأشهد أنَّ مُحَمَّداً رسول الله.

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34 )﴾ [سورة محمد].

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّـهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّـهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37)﴾ [سورة التوبة]. وهذا دليل على أن الكفر يزيد، فلا يجوز إعانة الكافر على الكفر قولا أوفعلا فلا يجوز أن يسأل الكافر عن اعتقاده الكفري.

الدليل على جواز تكفير المعين الذي ثبت كفره

الدليل على جواز تكفير المعين من القرآن قول الله تعالى ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [سورة الكهف آية 37] فهذا الذي أنكر البعث وأنكر الجزاء والحساب وأنكر الآخرة قال له صاحبه في وجهه "كفرت بالله" وهذا تكفير للمعين، والقرآن أورده وما عاب عليه. وذكر بعض المفسرين مثل الإمام المفسر أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي في تفسيره والإمام المفسر النحوي أثير الدين محمد بن يوسف أبو حيان الأندلسي في كتابه تفسير البحر المحيط، ذكروا أن المؤمن قال لصاحبه الكافر "أكفرت" في وجهه. أما من الحديث فقد روى الطبراني عن رافع بن خديج أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « يكون قوم في أمتي يكفرون بالله وبالقرآن وهم لا يشعرون ». وغير هذا من الأدلة كثير.

قَالَ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: « بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا ». رواه مسلم

ولا تظن أن العرض من الدنيا هو المال فقط، بل كل متاع الدنيا عرض، سواء مالا، أو جاها أو رئاسة، أو نساء أو غيرَ ذلك، كل ما في الدنيا من متاع فإنه عرض، كما قال تعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ فالذي في الدنيا كله عرض. فهؤلاء الذين يصبحون مؤمنين ويمسون كفارًا، أو يمسون مؤمنين ويصبحون كفارا، كلهم يبيعون دينهم بعرض من الدنيا، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الفتن.

قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءاَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ﴾ [سورة الحجرات] أي أنّ المؤمنين هم الذين صَدَّقُوا بوُجودِ الله تعالى وأنَّه لا يُشْبِهُ شيئًا وصَدَّقُوا أنَّ محمَّداً عبدُهُ ورَسولُهُ ، هو آخِرُ نبيٍّ مُرسَل إلى كافَّة العالمين من إنسٍ وجِنّ وأنّه بشرٌ لم يُخلَقْ مِن نور وأنّه صادِقٌ في كل ما يُبَلِّغُهُ عن الله ، ولم يَشُكُّوا في ذلك. وقد قال رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم : « أفضلُ الأعمالِ إيمانٌ لا شَكّ فيه » رواه مسلم.

فالإيمان شرط لقبول الأعمال الصّالحة، قال الله تعالى: ﴿ مَثَلُ الّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ﴾ [سورة إبراهيم ءاية 18]. وقال رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: « وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْطَى بِهَا خَيْرًا » رواه الإمام أحمد.

وقال اﻹمام أبو حنيفة رَضيَ الله عنه: « لا يَكون إسلامٌ بلا إيمانٍ ولا إيمانٌ بلا إسلامٍ فهُما كالظّهرِ مع البَطنِ ». فغير المسلم ﻻ يجوز أنْ يُسمّى مؤمِنا.

فبمَا أنّ الإيمانَ هو أفضَلُ الأعمالِ عند الله تعالى لأنّه الشىء الذي لا بُدَّ منه حتى يَكونَ عَمَلُ الإنسان مَقْبُولاً، كان حَرِيًّا بالمسلم أن يَعْرِفَ ما هي الأشياء التي تُخْرِجُ مِن الإسلامِ حتى يتجَنَّبها ويُحافِظ على إيمانه فإنّ مَن لم يَعرِف الشرَّ يَقَع فيه. والشىء الذي يقطَعُ الإسلامَ ويُبْطِلُهُ هو الردَّةُ والعِياذُ بالله تعالى. ومَن وَقَعَ في الردَّةِ فقد خَسِرَ كُلَّ حَسَنَاتِهِ، قال الله تعالى: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ‌ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَ‌ةِ مِنَ الْخَاسِرِ‌ينَ ﴾ [سورة المائدة آية 5]. ومَصيرُهُ إن ماتَ على الردّة أن يدخلَ النّارَ ويخلد فيها إنْ لم يَرجِعْ إلى الإسلام قبلَ موته.

فمن الكفر تشبيه الله بخلقه كاعتقاد أنه ساكن السماء أو الأماكن أو أنه جالس على العرش، يقول الإمام عبدُ الغَنـيّ النابلسِيّ: « أنّ من اعتقد أنّ اللَّهَ مَلأَ السمواتِ والأرضَ أو أنّه جسم قاعدٌ فوق العرش فهو كافرٌ وإن زعم أنّه مسلم » وأضاف يقول: « وسببه (أي الوقوع في الكفر) الجهلُ عن معرِفَةِ الأمرِ على ما هو عليه ». فمَن تأمَّلَ هذا الكلامَ عَلِم أنَّ الجاهِلَ في مِثلِ هذا لا يُعذَرُ.

ومن الكفر أن يقول الشخص أنا لست مسلما ولو مازحا أو أن يسُب الله أو الأنبياء أو الملائكة أو دين الإسلام أو أن يستهزأ بذلك أو أن يقول عن شرب الخمر حلال ولا يعذر بالمزح أو الغضب.

ولو نادى مسلم مسلماً ءاخر بقوله: يا كافر بلا تأويل كفر القائل لأنه سمى الإسلام كفراً. ويدل على ذلك ما رواه البخارى في الصحيح وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من رمى مسلماً بالكفر أو قال عدو الله إلا عادت عليه إن لم يكن كما قال » وفي لفظ لهذا الحدي : « إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه »، فقد حذرنا رسول الله في هذا الحديث من أن نقول لمسلم: كافر، أو عدو الله، وبين لنا أن من قال ذلك لمسلم يعود عليه وبال هذه الكلمة. أما من قال لمسلم يا عدو الله أو أنت عدو الله بسبب شرعي فليس عليه حرج.

وليُعلَم أنَّ مَنْ كَفَرَ لا يَرجِعُ إلى الإسلامِ إلا بالنُّطقِ بالشهادتين أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأشهد أنَّ مُحَمَّداً رسول الله، بعد رجوعه عن الكفر، فلا يرجع الكافر إلى الإسلام بقول أستغفِرُ اللهَ بل يَزيده ذلك كفرًا، ولا تنفعه الشَّهادتان ما دام على كفرِه لم يرجِع عنه.

لا يجوز الرضاء بالكفر ولا الإعانة على الكفر

كذلك يكفر الذي يعين إنسانا على قول أو فعل الكفر وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة]، وأكبر الإثم هو الكفر، كأن يدلّ أو يأخذ كافرا إلى مكان ليفعل الكفر أو يسأله سؤالا مع علمه أنّه يجيب بالكفر.

كذلك يكفر من رضي أو استحسن الكفر من الغير وكذا تأخير من أراد الدّخول في الإسلام كأن اشترط عليه أن يغتسل قبل أمره بالنّطق بالشّهادتين.

يقول الله تعالى: ﴿ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ﴾ [سورة الزُّمر ءاية 39]، فهذا دليل على أنّ الرِّضاءَ بالكُفْر كفرٌ كما قال ذلك الإمام النووي في كتابه روضة الطالبين. فالذي يقول يجب احترام الكفر والمعاصي يخرج من الإسلام.

وقد قال اللهُ تبارك وتعالى في محكم التنزيل: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ ﴾ (سورة ءال عمران). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مَن رأى منكم منكرًا فليغيرْه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان » رواه مسلم. وأكبر المنكر هو الكفر. قال الله تعالى ﴿ وَالْكَافِرُ‌ونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [سورة البقرة ءاية 254] وقال : ﴿ إِنَّ الشِّرْ‌كَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [سورة لقمان ءاية 13].

فمن جملة معاصي البدن الإعانةَ على المعصيةِ وذلكَ لقولِ الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة] فالآيةُ دليلٌ لتحريم معاونة شخص لشخصٍ في معصيةِ الله كحملِ إنسانٍ ذكرٍ أو أنثى إلى محلٍّ يُعبدُ فيه غيرُ اللهِ لمشاركة المشركينَ وموافقتِهم في شركهم وذلك كفرٌ، وكأن يأخذ الرجل زوجته الكتابية إلى الكنيسة أو يعطيَها ما تستعين به على ذلك وغيرِ ذلك من كل ما هو معاونةٌ في المعصية كائنةً ما كانت لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.

استعمال أداة الحكاية لنقل شىء مخالف للشرع

لنقل شىء مخالف للشرع لا بد من استعمال أداة الحكاية كقول قال المؤلف كذا أو قال فلان كذا، إن كان بالقول أو الكتابة. كذلك قبل تشغيل تسجيل صوتي أو مرئي يحتوي على ما يخالف دين الإسلام وكذلك قبل إظهار شىء مخالف للشرع على الشاشة أو قبل طبعه لا بد من استعمال أداة الحكاية كقول مثلا أُظْهِر ما قال المؤلف. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ﴾ [سورة التوبة آية 30] وغير ذلك من الآيات.

وقد ثبت عن أحد الصحابة وهو عبد الله بن مسعود أنه أخذ بلسانه وخاطبه: يَا لِسَانُ قُلْ خَيْراً تَغْنَمْ وَاسْكُتْ عَنْ شَرٍّ تَسْلَمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَنْدَمَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَكْثَرُ خَطَايَا ابْنِ آدَمَ مِنْ لِسَانِهِ »، رواه الطبراني. ومن هذه الخطايا الكفر والكبائر.

والردّةُ ثلاثَةُ أقسام : اعتقاداتٌ وأفعالٌ وأقوال

فَمِنَ الأوَّل: الشكُّ في الله أو في رسوله أو في القرءان. ومِن هذا القسم أيضًا أن يعتَقِدَ أنّ اللَّهَ نورٌ بمعنى الضوء أو أنّه رُوحٌ أو اعتقَدَ أنّ سيّدَنا مُحمّداً جُزْءٌ منه، كذلك مَن اعتقَدَ أنّ المسيحَ جزءٌ من الله فهو ليسَ بِمُسلِم. وقد ذَكَر الولِيُّ الشيخُ عبدُ الغَنـيّ النابلسِيّ: « أنّ من اعتقد أنّ اللَّهَ مَلأَ السمواتِ والأرضَ أو أنّه جسم قاعدٌ فوق العرش فهو كافرٌ وإن زعم أنّه مسلم » وأضاف يقول: « وسببه (أي الوقوع في الكفر) الجهلُ عن معرِفَةِ الأمرِ على ما هو عليه ». فمَن تأمَّلَ هذا الكلامَ عَلِم أنَّ الجاهِلَ في مِثلِ هذا لا يُعذَرُ. وكذلك مَن اعتقَدَ أنّ الله جالسٌ على العرش، لأنّ الله قاهر العرش ومُسَيْطِرٌ عليه ولا يَحتاجُ إليه. ويقول الإمام أبو جعفر الطحاوي في عقيدته الـمُسمَّاة ” العقيدة الطحاوية ” والتي بـيَّن فيها عقيدة أهل السنة والجماعة: ” تَعَالىَ (يعني الله تعالى) عَنِ الحُدُودِ وَالغَايَاتِ وَالأَرْكَانِ وَالأَعْضَاءِ وَالأَدَوَاتِ ” ويقول أيضا في نفي الجهة عن الله عزَّ وجلَّ ” وَلاَ تَحْوِيهِ الجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ المُبْتَدَعَاتِ ” والجهاتُ الست هي: فوق وتحت ويمين وشمال وأمام وخلف. وقال : ” ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر “.

والقسم الثاني الأفعال: كالذي يسجُد لصنَمٍ أو يرمي المصحفَ أو ورقةً فيها اسمُ الله في نجاسةٍ عمدًا. فيجب احترامُ الأوراق التي فيها اسمُ الله ولا يجوز رميُها في مكانٍ مُستقذَر، ولو لم يقصد الاستخفافَ بما فيها.

والقسم الثالث الأقوال: كالذي يَسُبُّ اللَّهَ تعالى أو ينسبُ له الولَدَ قولاً ولو لم يعتقد ذلك، وكالذي يَسُبُّ نبيًّا من الأنبياء كمحمّدٍ أو عيسى المسيح أو موسى أو ءادم أوغيرهم، وكذلك الذي يَشتُمُ ملكًا كجبريل أو ميكائيل أو عزرائيل أو غيرهم، وكالذي يقول: (اخلُق لي كذا كما خَلَقَكَ الله) وكالذي يقول: "إنّ الله حالٌّ في الأشياء داخلٌ فيها" وكذلك كلُّ كلامٍ معناه استخفاف بالله ظاهر في ذلك نوى المعنى أو لم ينوِ. قال إمام الحرمين عبد الملك الجُوَينِيّ أحد كبار العلماء: « اتَّفَقَ الأصوليّون على أن من نَطَقَ بكلمةِ الردّة وزَعَمَ أنَّه أَضْمَرَ تَوْرِيَةً كُفِّرَ ظَاهِرًا وباطنًا ». كذلك قَولُ بعضِ السفهاء: (صُم وصَلّ تركبك القِلّة) كفر، وكذا قول بعض الناس: (غدا نتدفأ في جهنم)، أو قال: (أنا كافر) سواء كان مازحًا أو جادًا. واعلموا أن اللَّهَ واجبٌ تعظيمُهُ في حال الرضا وفي حال الغضب ويَحرُمُ الاستخفافُ به في الحالين، وعلى هذا أَجمَعَ المسلمون.

وقال الإمام النووي في كتابه روضة الطالبين: « لو غضبَ رَجُلٌ عَلَى وَلَدِهِ أَو غُلاَمِهِ فَضَرَبَهُ ضَربًا شَدِيدًا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَلستَ مُسلِمًا ؟ فَقَالَ: لاَ، مُتَعَمِّدًا كفر ». أي مادام بإرادته ولو كان في حال الغضب.

وكذلك الذي يُنكِرُ الجَنَّةَ أو النَّار أو البعث أو الحساب في الآخرة، وكذلك الذي يقول إنَّ الجنة أمورٌ معنوية وليست حِسّية أو قال: النار فيها عذاب رُوحيٌّ وليس حسّيًا وقد نصّ العُلماءُ على أن من وَقَعَ في هذه الألفاظ فقد حَبِطَ عملُهُ إذا قالها بإرادته مختاراً عامداً غير مُكرَهٍ بالقتل ونحوه (ممّا يُؤدي إلى الموت) ولم يَكُن غائبَ العقل. ولم يَقُل العلماءُ إنه يُنظرُ إلى رضاه أو غضبه حين يتكلّم.

وكذلك يخرج من الإسلام من ذم أو استهزأ بكل اسم مدحه الله أو استحسنه رسول الله (مع علمه بذلك) كاسم مريم أو خديجة أو عائشة أو فاطمة أو علي أو حسن أو حسين أو أسماء الأنبياء كآدم وإبراهيم وعيسى ومحمد، (وليعلم أنَّ أفضل الأسماء عبد الله وعبد الرحمن ثم كل اسم فيه اسم من أسماء الله الحسنى).

كذلك لا يجوز الاستهزاء بما حسّنه الشّرع ولا ذم اللغة العربية لأنّها لغة القرءان ولغة أهل الجنّة وأربعة أنبياء، فهي أفضل اللغات.

وَقَالَ رسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: « أكثرُ خطايا ابنِ أدَمَ مِنْ لِسَانِهِ » رواهُ الطبراني.

وَالقَاعِدَةُ: أنَّ كُلَّ اعتقادٍ أوْ فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَى اسْتِخْفَافٍ بِاللهِ أوْ كُتُبِهِ أوْ رُسُلِهِ أوْ مَلائِكَتِهِ أوْ شَعَائِرِهِ أوْ مَعَالِمِ دِينِهِ أوْ أحْكَامِهِ أوْ وَعْدِهِ أوْ وَعِيدِهِ كُفْرٌ فَلْيَحْذَرِ الإنْسانُ من ذلكَ جَهْدَهُ.

فائدةٌ: قَالَ العُلَمَاء: إنْكَارُ مَا عُلِمَ مِنَ الدّينِ بالضَّرُورَةِ كفرٌ، وَمَعْنَى كَوْنِ الأمْرِ مَعْلُومًا مِنَ الدّينِ بالضَّرُورَةِ أن يَكُونَ هذا الأمْرُ مَعْلُومًا بَيْنَ المسْلِمِينَ عُلَمَائِهِمْ وَعَوَامّهِمْ، لَيْسَ أمْرًا لا يَعْرِفُهُ إلا العُلَمَاءُ، وَذَلِكَ كوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ وَوُجُوبِ صومِ رَمَضَانَ وَحِلّ البَيْعِ وَالشّرَاءِ وَحُرْمَة شُرْبِ الخَمْرِ وَالسَّرِقَةِ، فإنّ هذه الأمور لا تخفى على المسلِمِ مهما كان جاهلاً.

قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّ‌بَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّ‌بَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّـهُ الْبَيْعَ وَحَرَّ‌مَ الرِّ‌بَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّ‌بِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُ‌هُ إِلَى اللَّـهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ‌ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [سورة البقرة آية 275]، هذه الآية فيها دليل واضح على أن من استحل الحرام كافر.

ومن فَكَّرَ في قوله تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾[سورة ق] وعَلِمَ أنَّ معناه أنّ كلّ ما يتكلّمُ بِه الإنسانُ يُسَجِّلُهُ المَلَكَان سواءٌ كان مازحاً أو جادًّا أو في حالة الغضب، وكان حريصًا على إيمانه فإنَّـهُ يُمْسِكُ لسانَهُ عمَّا لا يرضي اللّهَ عزَّ وجلَّ. ولا تَلْتَفِتُوا إلى بعضِ الجُهَّالِ الذين ليسَ لهم نَصيبٌ في العلم الذين يقولون: الجاهلُ معذور. فهؤلاء إنّما يَفتَحون بابًا للضلال واسعاً وإنما يرغّبون النَّاس بالجهل، مخالفين بذلك قولَ الله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذِينَ يَعْلَمُونَ والذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [سورة الزمر] وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « طَلَبُ العِلْمِ ِفَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِم » (أي وكلّ مسلمة) رواه البيهقي. قال الإمام أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه: « لاَ يُعْذَرُ أَحَدٌ فِي مُوجبَاتِ الكُفْرِ بِالْجَهْل ».

والنصيحةُ التي تُوَجَّهُ إلى من وَقَعَ في شىءٍ من أمور الردَّة أن يُقَالَ له: ارجع إلى الإسلام بالنطق بالشهادتين ـ أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأشهد أنَّ مُحَمَّداً رسول الله ـ لأنَّ قولَ أَستغفرُ الله لا ينفعه قبل أن يرجعَ إلى الإسلام، وعليه أن يتذكّر نعمةَ الله عليه الذي خَلَقَهُ وجَعَلَهُ مُتَكَلِّماً يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ، فلا يجوز له أن يستخِفّ به أو أن يَعترض عليه فإنَّه إن فعلَ ذلك فهو الخاسر، والله لا يَضُرُّهُ أحدٌ ولا يَنفَعه أحدٌ فهو غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ.